أحمد عبد الفتاح زواوي

62

شمائل الرسول ( ص )

يفهم مقصود الآية وما فيها إلا بحسن تدبر وتأمل ، وهذا هو مكمن الجمال والكمال في آيات القرآن الكريم . الجهة الثانية : بيان ما تنطوي عليه قلوب المنافقين ، مما لا يمكن أن يطلع عليه إلا صاحب هذا القلب أو الذي خلقه وهو عالم الغيب والشهادة - جل وعلا - ، ومن قرأ سورة « المنافقون » حتى آخرها رأى العجب في ذلك . ويتفرع عليه بيان عناد أهل الزيغ والضلال ، حيث تتلى عليهم الآيات البينات التي تخبرهم بما في صدورهم وقلوبهم مما لا يعلمه إلا الله ، ومع ذلك يصرون على الحنث العظيم وهو الكفر باللّه - سبحانه وتعالى - . الفائدة الرابعة : تعظيم رسالة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، حيث أضافها اللّه عز وجل إلى نفسه الكريمة المقدسة ، قال تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ، كما أكدها بمؤكدين ، سبق الإشارة إلى ما يماثلهما . ويتفرع عليه أمر عظيم ، وهو التهديد الشديد لمن كذب برسالة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ؛ لأن لسان حاله يقول : إن علم اللّه - سبحانه وتعالى - لا يوافق الواقع ، حيث إن الواقع - وحسب اعتقاده الفاسد - أن محمدا صلى اللّه عليه وسلّم ليس برسول من عند الله ، وهذا طعن عظيم في صفة من أوسع صفات اللّه - سبحانه وتعالى - وهي صفة العلم . الفائدة الخامسة : أفادتنا الآية في معرفة من هم المنافقون ، فهم الذين يقولون بألسنتهم ما يخالف ما في قلوبهم ، وإذا كان في أمر يتعلق بالعقيدة فهو نفاق اعتقادي يجعل صاحبه في الدرك الأسفل من النار ، وإذا كان في أمر من السلوكيات فهو نفاق عملي ، يجعل في صاحبه صفة من صفات المنافقين ، وقد حذرنا النبي صلى اللّه عليه وسلّم من ذلك أشد التحذير في الحديث الذي رواه البخاري عن عبد اللّه بن عمرو أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلّم قال : « أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر » « 1 » . وأود أن أنبه هنا إلى سلوك قد يقع فيه البعض عمدا أو جهلا أو خطأ ، وهو أن يظهر من كلامه أو على محيّاه تقوى وخوف من اللّه - سبحانه وتعالى - أكثر مما في قلبه ، وأخشى أن يكون ذلك السلوك من النفاق الذي يؤدي بصاحبه إلى التهلكة .

--> ( 1 ) رواه البخاري ، كتاب : الإيمان ، باب : علامة المناقب ، برقم ( 34 ) .